منتدى العشاق

احلى منتدى لتجمع العشاق
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
اهلا ومرحبا بكم فى منتدانا ومنتداكم ((منتدى العشاق)) يسرنا تكريمك وتشريفنا بزيارتنا

شاطر | 
 

 دموع بأثر رجعي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مصطفى ايجو
مدير
مدير
avatar

عدد المساهمات : 916
تاريخ التسجيل : 05/12/2009

مُساهمةموضوع: دموع بأثر رجعي   الأربعاء يناير 06, 2010 5:58 am

أسرة صغيرة مكونة من أبوين وطفلين: أحمد ذي تسعة الأعوام، وصلاح الذي أشرف على عامه السابع، الجميع ينتظر حدثًا هامًّا، فالأم قد أوشكتْ على وضع مولودها الثالث، والأبوان يأملان في أن يكون أنثى.

صلاح الصغير: أبي، أريد دراجة.
الوالد: سأشتريها لك عندما تأتي أختُك ريم.

البيت تسود أجواءه البهجةُ والسرور بحلول ريم، والأب يكاد يطير من فرحته بالصغيرة، وعلى الفور توجَّه لكي يفيَ بوعده الذي قطعه على نفسه أمام صلاح، وبالفعل قد اشترى له على الفور دراجةً.

صلاح يلعب بدراجته الجديدة في فناء البيت، وعيون صغيرة ترقبه من الشرفة، والتي كانت نفسُه تتوق إلى أن يصير لديه مثلُها، أو على الأقل يلهو بها مع أخيه.

لم يكن يعرف حينذاك لِمَ لا يطلب من والده مثلما طلب أخوه، برغم أن أباه لم يكن بالرجل القاسي.

إنه يحب والديه، ويلتمس أن يكون مقرَّبًا لديهما، كان يرى الضحكاتِ تنبعث منهما لتصرُّفات صلاح خفيف الظل، والذي كان فاكهة الأسرة، أحيانًا كان يحاول أحمدُ أن يبدو مرحًا كأخيه، لكنه لم يكن يرى استجابةً مُرضيَة.

صلاح: أبي، لقد نسيتَ أن تعطيني مصروف اليوم.
الوالد بعد ضحكة عالية: أعتذر لك يا أستاذ صلاح، وخذ هذا مصروفك، وأنت أيضًا يا أحمد هذا مصروفك.

أحمد بسرعة: لا يا والدي، أنا لن آخذ منك مصروفًا بعد اليوم، يكفي أنك تنفق عليَّ وترعاني، أنا لا أريد مصروفي.
الوالد: أعرف أنك قنوع يا ولدي، ولكن لا بد وأن تأخذ مصروفك.
أحمد: أبي، أرجوك، أنا لا أريد مصروفي، ماذا سأفعل به وأنت لا تحرمني من شيء؟
الوالد: ما شاء الله، عهدتك دائمًا حكيمًا يا أحمد رغم صغر سنك.

وبعد أن قالها الوالد، شعر أحمد بشيءٍ من الرضا إثرَ هذه الكلمة.

ها هو أحمد يدفع الدراجة بأخيه كمشاركة له في اللعب والمرح، وكأنه يشبع قدرًا يسيرًا من رغبته في أن يركبها، وكان صلاح الصغير يرفض أن يمنحها أخاه لبعض الوقت، وفي الوقت ذاته لم يكن أحمد يطلب من والديه مجرد السماح له بأن يشارك أخاه في اللهو بالدراجة، لماذا؟ لم يكن حقًّا ليدري.

كم تهفو نفسُه لأنْ يأخذها على حين غفلةٍ من أخيه، ظل يقاوم تلك الرغبةَ حتى غلبتْه، فأخذها يلعب بها، وانتابتْه فرحةٌ عارمة لم يشعر بمثلها قط، إلى أن رآه أخوه، الذي ظل يصرخ ويمرغ جسده في التراب.

فخرج الوالدان على صراخه، وأما أحمد، فقد نزل من على الدراجة، وهو يرقب في خوفٍ مجهولِ السببِ إلى والديه، وهما يقيمان أخاه من على الأرض، وينظِّفان ثيابه.

ويأخذ الوالد الدراجة يسكت بها صراخَ صلاح، معاتبًا أحمد برفق: أحمد أنت الكبير، لا تدع أخاك يصرخ هكذا، هو الصغير، دعْ له دراجته.

وبعد ربع قرن مضى من الزمان:
الزوجة الشابة تخرج إلى الشرفة؛ لتتأمل ذلك الزوجَ الذي شرد ببصره في الأفق، وقد تحدرتْ دمعةٌ ساخنة على وجْنته.

أحمدُ، قالتْها في لهفةٍ وشفقة، فانتشلتْه بهذه الكلمةِ من شروده، فانتبه إلى دموعه فجعل يجفِّفها على عجل، وهو يجيبها: نعم سلوى، ماذا بكِ؟

سلوى: ماذا بكَ أنت؟ صمتتْ برهة، ثم وضعتْ يدها بحنان على كتفه قائلة: أمَا زالتْ تلك الذكرى تستولي على تفكيرك وكيانك؟
أحمد: لا أدري يا سلوى، لقد مكثت أعوامًا طويلة، ولا أكاد أفكِّر فيها، لا أدري لِمَ عاودتني، إنها لم تكن تخطر ببالي في طفولتي، فكيف تعود بعد مرور السنين؟!

إن أبويَّ كانا يحملانِ في قلبيهما الحبَّ لي، أنا على يقين من ذلك، لم أرَ منهما قسوة، أشعر بأني أغدر بهما؛ إذ ينتابني الحزن من مواقفَ تبدو من زاوية العقل تفاهات.

أنا جدُّ حزين لهما، أشعر أن حزني من تلك المواقف يحمل بين طياته التحاملَ والإجحاف، ولكن لست أدري لِمَ تلاحقُني هذه الذكرى، وقد صرتُ في هذه السن؟!

سلوى: أتعرف؟ لقد أدركتُ أخيرًا لِمَ هذا القدر المبالغ فيه من حرصك على العدل بين ابنتيك، أرى أنك تفرُّ من تلك الذِّكرى، وتحذر من إلحاق أي أذًى نفسيٍّ بهما من جراء آثار الماضي.
ثم تابعتْ: أحمد، أرى أن تذهب لعيادة الطبيب النفسي.

وفي عيادة الطبيب النفسي:
استمع الطبيب لأحمد، الذي جلس باسترخاء على الأريكة، إلى أن أتم حديثه.

الطبيب: الأمر واضح، أحمد الصغير ما زال يصرخ مطالبًا بحقِّه.
أحمد معترضًا: لا يا دكتور، أنا لم أكن لأفكر في هذا الأمر أيامَ الطفولة إلا نادرًا، أليس في هذا دليلٌ على أن الأمر لم يترك أثرَه بنفسي؟
الطبيب: إنك لم تنسَ هذه الذكريات، كل ما هنالك أن عقلك الباطن قد اختزنها، ودبتْ فيها الحياة مرة أخرى نتيجةَ عواملَ معينةٍ، حتمًا سنقف عليها من خلال لقاءاتنا.
أحمد: يا دكتور، أنا كنت أحبهما، وعلى يقين من محبتهما، لستُ في شكٍّ من ذلك، فقط ضعف ثقافتهما التربوية جعلهما لا يلتفتان بوعيٍ إلى ذلك الخلل البسيط في تصرفاتهما.
الطبيب: أنت الآن تراه بسيطًا؛ لأنك تنظر إلى الماضي بعقلية الرجل الناضج العاقل، لكن أحمد الصغير لا يراه كذلك، هو يرى أنه قد ظُلم واختُزلتْ حقوقُه، وهذا ما يجب أن تعترف به، و...
قاطعه أحمد: لا يا دكتور، هذا ظلم لهما، إن أبويَّ صالحان، إنهما...
قاطعه الطبيب هذه المرة: أحمد، ينبغي أن تفصل بين الأمرين، ليس في اعترافك بقصورهما التربوي أدنى إساءة، وليس فيه قدحٌ في محبتهما إياك.
تابع الطبيب: إنك لم تكن تأخذ مصروفك عن زهدٍ فيه وعدم تطلُّع إليه؛ أنت سعيتَ لأنْ تلفت أنظارَهما إليك، أن تحظى لديهما بخصوصية معينة؛ لأنك تشعر في أعماقك بنقص وحرمان مما كان أخوك يتمتَّع به لديهما، وذلك هو ما حمَلك أيضًا على أن تكبت رغبتك في أن يشتري لك أبوك دراجةً كأخيك، لقد أردتَ أن تحظى لديهما بمكانة، فقتلتَ رغبةً طفولية؛ لتواجه بها الخلل التربوي لدى أبويك في التفريق في المعاملة بينك وبين أخيك.

صلاح كان خفيفَ الظل، كثيرًا ما يضحكهما ويدخل عليهما السرور، وهو ما كنت تراه ينقصك، وعمَّق لديك هذه المشاعرَ أن كنتَ ترى محاولاتك تبوء بالفشل في إضحاكهما والشهادة لك بخفة الظل.

سالت دموع غزيرة على خدَّي أحمد، والطبيب يستطرد:
لا بد من مصالحة ذلك الطفل أحمد، سنعتذر له، ونسكِّن أنينَه، سنعترف بأنه لم يأخذ حقه، وبعدها نصالحه ليعفوَ ويصفح؛ لأنه طيب متسامح، وهذا ما سيتم من خلال لقاءاتي بك - إن شاء الله تعالى - ولكن أبشرْ، فالأمر ليس بعسير وَفق ما نَعلمه من شرع الله وعلاجه لكل الأمراض النفسية.

توجَّه أحمدُ بالشكر إلى الطبيب، وانصرف شاعرًا بالرضا يتخلل كيانَه كله، لقد فهم، فكانت المعرفة والفهم بدايةَ علاجه والجزءَ الأهم فيه؛ لكنه قد ازداد عزمًا على شيء واحد، لم يعد يرى غيره: أن يرى دنيا ابنتيه بعيونهما لا بعينيه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mostafaego.yoo7.com
 
دموع بأثر رجعي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى العشاق :: قسم المراه :: قسم القصص الواقعيه والخياليه-
انتقل الى: